ابن تيمية
22
الإيمان
عليهم أأنذرتهم أم لم تنذرهم لا يؤمنون » . فأثبت لهم الإنذار من وجه ونفاه عنهم من وجه ؛ فإن الإنذار هو الإعلام بالمخوف . فالإنذار مثل التعليم والتخويف فمن علمته فتعلم فقد تم تعليمه وآخر يقول : علمته فلم يتعلم . وكذلك من خوفته فخاف فهذا هو الذي تم تخويفه . وأما من خوف فما خاف ؛ فلم يتم تخويفه . وكذلك من هديته فاهتدى ؛ تم هداه ومنه قوله تعالى : « هدى للمتقين » . ومن هديته فلم يهتد - كما قال : « وأما ثمود فهديناهم فاستحبوا العمى على الهدى » - فلم يتم هداه كما تقول : قطعته فانقطع وقطعته فما انقطع . فالمؤثر التام يستلزم أثره : فمتى لم يحصل أثره لم يكن تاما والفعل إذا صادف محلا قابلا تم وإلا لم يتم . والعلم بالمحبوب يورث طلبه والعلم بالمكروه يورث تركه ؛ ولهذا يسمى هذا العلم : الداعي ويقال : الداعي مع القدرة يستلزم وجود المقدور ، وهو العلم بالمطلوب المستلزم لإرادة المعلوم المراد ، وهذا كله إنما يحصل مع صحة الفطرة وسلامتها وأما مع فسادها فقد يحس الإنسان باللذيذ فلا يجد له لذة بل يؤلمه ، وكذلك يلتذ بالمؤلم لفساد الفطرة ، والفساد يتناول القوة العلمية والقوة العملية جميعا كالمرور الذي يجد العسل مرا : فإنه فسد نفس إحساسه حتى كان يحس به على خلاف ما هو عليه للمرة التي مازجته وكذلك من فسد باطنه قال تعالى : « وما يشعركم أنها إذا جاءت لا يؤمنون » « ونقلب أفئدتهم وأبصارهم كما لم يؤمنوا به أول مرة ونذرهم في طغيانهم يعمهون » .